بن بركة ومحاولة الاغتيال الثانية

شاهد 24

28 ديسمبر 2021 - 18:37

بعد حوالي ستة عقود على اختطافه واغتياله وإخفاء جثته والسعي إلى معرفة أسرار تغييبه، تظهر من جديد أياد قيل إنها تبحث في التاريخ وتقرأ في علاقات المهدي بن بركة مع مؤسسات المعسكر الاشتراكي، من خلال وثائق رفع عنها طابع السرية. جريدة الغارديان الإنجليزية فتحت صفحاتها لباحث مبتدئ في التاريخ قيل إنه اطلع على وثائق تثبت أن هذه الشخصية المغربية كانت تتقاضى أجرا من مخابرات شرق أوروبا. الخبر تم زرعه في المجال الصحافي المغربي واتسع نشره كانتشار النار في الهشيم. وتم تصوير المهدي بن بركة كعميل بسيط لجهات استخباراتية، كأنه جندي من الدرجات الدنيا في عالم المخابرات.

قد يختلف الناس في تقييم تاريخ الرجل.. صحيح أن أعداءه كانوا كثرا ولم يشكل أبدا محورا للإجماع. اختلف مع القيادات التقليدية وحتى العصرية لحزب الاستقلال، واختلف بعد 1959 مع رفاقه في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكذلك مع قيادة الاتحاد المغربي للشغل. وبالطبع اختلف مع النظام وهو الذي كان من المقربين من الملك الراحل محمد الخامس وولي عهده آنذاك الراحل الحسن الثاني. وغادر المغرب بعد أحداث سياسية ظهرت فيها قوى جديدة إلى جانب الراحل الحسن الثاني، وتوارى خلالها جيش التحرير وتولت أطر مغربية تكونت على يد مؤسسات الجيش الفرنسي والإسباني شؤون الدفاع والأمن. وعرفت سنة 1963 بداية طلاق بين الحركة الوطنية الممثلة آنذاك بحزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبين القصر استمرت إلى غاية 1965، حيث تكسرت جسور التواصل التي سادت خلال النضال صد المستعمر.

وخلال كل هذه الفترة كان المهدي بن بركة ذلك الفاعل السياسي الذي لا يهدأ له بال، والمسكون بكل مشاريع التغيير بالمغرب. تراه إلى جانب الملك وولي العهد خلال أشغال طريق الوحدة مع آلاف الشباب، كما تراه في المجلس الاستشاري الذي يعد أول برلمان مغربي منشغلا بأوراش بناء مغرب ما بعد الحماية.

وبالطبع تراه أيضا إلى جانب الرئيس الجزائري الأول بن بلة الذي كان يعتبره أحسن وزير خارجية لديه. وهذه القرابة مع النظام الجزائري، بعد حرب الرمال، لم تكن موضوع قبول من طرف الكثير من المسؤولين المغاربة في ذلك الزمن.

وانطلقت شخصية المهدي بن بركة لتعبر آفاق القارات بين آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية وليصبح زعيم منظمة القارات الثلاث.

وللعلم فكل تحركات المهدي بن بركة كانت تجري في أوج الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، اللذين يفصل بينهما جدار برلين الذي انهار في 1989. ولا يمكن لعاقل أن يفصل العمل السياسي في تلك الفترة عن صراع أجهزة المخابرات، فموقع المهدي بن بركة وطموحاته القيادية لا يمكن أن تغنيه عن التعرف على كل الأجهزة الحزبية والسياسية والمخابراتية.

وليس بالغريب في إطار حرب باردة أن يتموقع زعيم كالمهدي بن بركة وأن يكون مستهدفا من طرف المعسكر الغربي. وليس غريبا أيضا أن تنظم مؤتمرات يستعمل فيها الخطاب الإيديولوجي، وتستغل فيها المعلومات الاستخباراتية لمواجهة الآخر. أما أن ينعت المهدي بن بركة بصفة عميل يتلقى مالا من جهاز مخابرات ثانوي بالنسبة للمنظومة الشرقية، إبان الاتحاد السوفياتي، فهذا ينقصه التحليل السياسي الرصين.

زعيم من هذا المستوى لن يحتاج إلى البحث عن المال، عبر كتابة تقارير استخباراتية، لأن كثيرا من الدول التي كانت تعتبره صديقا قد تغدق عليه من الأموال ما يتجاوز حاجياته. وقد سبق للراحل بن بلة أن قرر منحه نفس الراتب الذي كان مخصصا له كرئيس للجزائر.

لا أحد يدري ما هي الغاية من اغتيال ثان وذي مغزى سياسي للمهدي بن بركة، الذي لا زال ملف اختفائه غامضا. نعم كان له أعداء وكثير من أعضاء حزب الشورى والاستقلال وحزب الحركة الشعبية كانوا يعتبرونه خصما شرسا بل وعدوا في الميدان. ولكنه يظل ذلك الرجل الذي ناضل من أجل الاستقلال والذي ترك وراءه أجيالا تحمل رسالته حول الاختيار الثوري وبعد ذلك تراجعت.. أما اليوم فقد تغير الواقع والخطاب وغاب الاختيار الثوري كتقرير إيديولوجي وتفتقت العبقريات حول التماهي مع العصر بكل أريحية.

تعليقات الزوار ( 0 )
أضف تعليقاً

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *